السيد الطباطبائي ( تعريب : جواد علي كسار )
71
مقالات تأسيسية في الفكر الإسلامي
سوى طريق النفس وانّ كل ما تراه وتقف عليه من أفناء هذا العالم الواسع انما تراه في نفسها وتلمسه من خلالها . في هذه المرحلة يجد الانسان نفسه منقطعا من كل شيء ؛ وعن كل شيء - سوى اللّه - ولا يرى سوى نفسه وربّه . مثل هذا الانسان يكون وحيدا حتى وهو بين مئات الألوف ، وإذا كان الآخرون ينظرون إلى وجوده بين الجموع ، فهو لا يرى نفسه الّا في خلوة خالية من الاغيار ( الآخرين ) وان ليس ثمة شيء سوى اللّه ( جل جلاله ) . حين ذاك ينظر إلى نفسه وإلى كلّ شيء من خلال نفسه ، وعنده لا يرى نفسه سوى مرآة يبين بها ( يتجلى بها ) جمال الحق الذي لا نظير له ، ولا شيء سوى ذلك ؛ اي لا شيء سوى اللّه . وعندما يذكر ( الانسان ) بهذا الشكل ، وينجز العبادات والتوجهات المختلفة المترتبة عليها ، بحيث يقرّ ذكر اللّه في قلبه ويكون نقيّا من كل غفلة ، يصبح في صفّ أصحاب اليقين ، فيصدق عليه عمليا وعد الحق في قوله تعالى : وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ « 1 » . وهنا تفتح عليه أبواب ملكوت السماء والأرض ، فيستيقن انّ كل شيء هو للحق ( تعالى ) وملكه المطلق . يقول تعالى وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ « 2 » .
--> ( 1 ) الحجر : 99 . ( 2 ) الانعام : 75 .